تذكرة و احدة لا اثنتان

تذكرة و احدة لا اثنتان

تذكرة واحدة لا اثنتان 

جلست أمل أمام الشاشة بترقب كبير أنفاسها متسارعة, ضربات قلبها واضحة و جلية من فوق ثيابها, عيناها لا تقوى على الرمش لثوان يداها ترتجفان , تحاول فتح الإيميل تضغط على علبة الوارد فتجد رسالة من إحدى الجامعات , تغمض عينيها , تحاول استجماع قوتها , تفتح الرسالة لترى أنها قد قبلت في المنحة الدراسية التي قدمت أوراقها إليها قبل مدة بهدف إكمال دراستها في إحدى تخصصات الهندسة المعمارية .

صرخت فرحة و بصوت عال قالت:

<<لقد قبلت لقد قبلت>>

خارت قواها و سقطت على الأرض باكية فحلم و تعب سنوات طويلة يتجسد أمامها و أثمرت نتائجه أخيرا.

نهضت مسرعة إلى الحاسوب من جديد لتدخل إيميل زوجها فتجد أنه قد تم رفض طلبه .

لم يقتل هذا التغيير فرحتها و لكنه أحدث قلقا بإمكاننا القول أنه أخمدها قليلا.

اتجهت نحو المطبخ لتعد لنفسها فنجان من القهوة , جلست أمام النافذة و اتصلت بأمها لتخبرها بأن حلم العمر قد شارف على الولادة فقد كانت هذه المنحة هي الأمل الأخير لتكمل اختصاصها في أوروبا و تنطلق بعدها للعمل مع الشركات العالمية .

لم تسألها أمها عن طلب زوجها جل ما كان يهمها هو السعادة و الأمل في صوت ابنتها .

أغلقت المكالمة مع والدتها و بدأت تتحول معالم وجهها شيء فشيء إلى الإحباط و القلق و كأن فرحة أمها صدمتها بحقيقة تناستها و هي أن زوجها لم يقبل كيف ستكون ردة فعله؟ كيف ستتمكن من إقناعه؟

أغلقت الحاسوب و تمنت أن لا يفتح زوجها بريده الالكتروني نهائيا, و قررت الصمت لهذا اليوم على الأقل لعلها تجد طريقة تعالج بها هذا الرفض .

في المساء جلسا سويا على العشاء كان متذمرا من أحوال عمله و كانت ردود أفعالها كما الروبوت. قلقة من أي كلمة ستخرج عنها أو ضحكة بل و حتى الصمت كانت تخشى من تأويله اختلف و جهها كليا من سعادة و سع الأرض بأكملها في الصباح إلى رعب في المساء .

سألت نفسها: هل فتح إيميله يا ترى؟

ثم تطرق بحديثه نحو المنحة , كان يتحدث بثقة كبيرة أنها له لا محالة ثم قال لها:

أنا قلق من ردهم على طلبك ففرصي بالقبول أكثر لكون خبرتي بالعمل أوسع و أشمل .

فردت عليه بتوتر: 

و لكن معدلي عال لعلنا نقبل معا.

لم يعلق على كلامها و لم يشاركها التمني بقبولهما معا.

أنهى طعامه و نهض باتجاه التلفاز تاركا أمل خلفه غارقة في دوامة شديدة من الخوف من تبعات الرفض.

في اليوم التالي ذهبت مسرعة لأمها لعلها ترشدها لحل يرضي زوجها و يحافظ على المنحة. 

فكرت و الدتها قليلا:

إن أردت و جهة نظري فهي أن المواجهة أنسب حل لكما فلست أنت المذنبة و ليس هو أيضا إنه اختيار المؤسسة و هذه معاييرها .

تنظر أمل بعيدا عبر النافذة و هي تبتسم بسخرية :

لن يكون الأمر بهذه البساطة فهو يرى أنه أجدر مني بها.

تتنهد امها تنهيدة كبيرة: لا اعرف و لكن بتصوري لو كان يجد نفسه أجدر منك لما تحدث بهذا الأسلوب منذ البداية و لما طلب منك المكوث بالمنزل و الابتعاد عن العمل بإمكانكما إيجاد حل و سط و التفاهم, فالماجستير سنتان المهم برأي أن يعرف الان لأنه سيشعر بالإهانة و الاستخفاف به إذا علم انك عرفت و لم تخبريه و ليختار الله لكما الأفضل .

لم تبح الأم بما في جعبتها حقا فهي كانت تريد لابنتها هذه الفرصة التي حلمت بها فلولا القيود المادية لكان حلم الدراسة في أوروبا قد تحقق منذ فترة بعيدة .

العمل و الدراسة هناك سيفتحان لابنتها المجال بأن تصبح عالمية  خاصة و هي متفوقة و متميزة من البداية في مجالها, و لكنها تعلم جيدا حب ابنتها لزوجها .

كانت الأم تفكر دائما بأن الزواج مشاركة و ليس سجن كانت تعرفه : بأنه محطة من ضمن محطات كثيرة نعيشها خلال مشوار حياتنا و لا يحق لأي رجل كان دفن ابنتها لأي سبب كان و لكن أمام قلق ابنتها و حبها التزمت الصمت .

في المساء استجمعت أمل قواها و جلست أمام التلفاز بجانب زوجها في البدء ترردت ثم أخذت نفسا عميقا و قالت: 

<<لقد جاءنا الرد على المنحة>> 

فنظر لها بلهفة كبيرة : ها ما النتيجة إذا؟!

أمل: لقد تم قبولي و رفضوا طلبك.

انقطع الدم من و جهه و تحول لونه للأصفر رويدا رويدا تابع التلفاز و لم يصدر كلمة واحدة طوال السهرة ذهبا للنوم دون حتى كلمة تصبحين على خير 

اعتقدت حينها أمل أنه رد فعل طبيعي من الصدمة.

في اليوم التالي حضرت له الفطور و هي تشعر بأنها على مفترق طرق حبها له طوال هذه السنين , و حلمها الذي شارف أن يرى النور كانت تتمنى لو أنه فرح لها على الأقل ليست المرة الأولى فعندما حصلت في الجامعة على معدل أعلى منه طلب منها شرط الابتعاد عن العمل لإتمام الزواج .

قالت لنفسها لنجري مصارحة اليوم فالامور لا تحتمل التعليق  استجمعي قواكي على الأقل اختبري حبه لك.

بدءا بتناول الفطور و قالت له: نحن بحاجة لإكمال حديثنا فلم نتخذ قرارنا و أنا بحاجة لاستكمال الأوراق.

اجابها بعصبية: ألم يأتي الرد بالرفض كما قلت؟!

أمل: و قلت أيضا لقد تم قبولي

زوجها بنظرات حاقدة : ما الذي تريدينه الان هل ستسافر بمفردك و أجلس هنا انتظر عودتك و اعتني بالمنزل؟

امل و هي تشعر بخيبة أملها منه و بدء صوتها بالارتباك  لعلها الصدمة : ليس هذا ما قصدته و لكننا لن نتمكن من إيجاد حل يرضينا و نحن نتحدث بهذه الطريقة . 

زوجها: لا يوجد حلول و الطلب قد تم رفضه.

شعرت أمل بضعفها كثيرا, بأنها لا تشكل شيء بالنسبة له بأن هذا ليس زواج أريد حياة أتشارك فيها كل شيء و لكنني الان لاشيء فانفجرت بوجهه و كأن غضب السنين قد أن له الان بان يظهر 

أمل: أنا لست مجرد تابع لك بإمكانك التقديم لجامعة اخرى بأمكاني السفر أولا ثم محاولة إيجاد طريقة لتلحق بي.

زوجها: انا الرجل لا ألحق بأحد 

أمل: ما هذا الإذلال الذي أعيشه معك ؟!

زوجها: هل تقدير المرأة لزوجها إذلال ؟

أمل : أين تقديرك أنت لي و أين محبتك؟

زوجها : ما علاقة الحب هل سمعتي يوما زوحة سافرت و تركت زوجها أم أنها تكون دائما حيث يكون هو , على كل حال هذا قراري و عليك الاختيار .

رات كل شيء يتحطم أمامها لقد كانت تخطط لهذه المنحة منذ السنة الأولى لها في الجامعة . كانت لديها أحلام , و طموحات, و مواهب كبيرة في مجالها بدأ كل شيء بالانهيار منذ لحظة منعها من العمل و الان عليها أن تتخذ قرار سيغير مجرى حياتها في كلا الحالتين .

صمتت لفترة طويلة و الغضب يتملكها ثم قالت: 

هل يمكنني طرح سؤال عليك؟

زوجها و هو يأكل بشراهة: نعم ماذا تريدين الان ؟

أمل: لو كان العكس لقد تم قبولك و رفضي الن تسافر بمفردك ؟ و لا أعتقد انك ستسأل عني للحاق بك حينها. 

زوجها: هذا طبيعي النساء ينتظرن أزواجهن و يخضعن لمصير الرجل دائما. 

تأكدت بأنه عليها اتخاذ القرار الان , أمل: معك حق لقد أحببتك كما لوكنت أسطورة الحب الأولى و لكن لم اتمكن يوما من أن أحبك اكثر من أحلامي أكثر من أمل التي كنت أتمناها و ابحث عنها فهذا لا يمكن تسميته حب, الحب شعور متبادل لا عقوبة يوجب تنفيذها من طرف واحد . 

نظر لها و كأن حقد العالم تجلى في عيونه غرور كبير و غطرسة أوقع الطاولة بما عليها من أطباق على الأرض و خرج من المنزل 

حزمة حقائبها و غادرت . سألتها و الدتها : ألن تندمي يوما على الطلاق؟

أمل: لقد اكتشفت أنه لم يكن يوما ربحا ليتحول لخسارة و لكنني إن خسرت هذه الفرصة لن أتمكن من استعادتها طوال حياتي .

للبشر أرصدت في قلوب بعضهم و رصيده في قلبي قد نفذ. 

 

أعجبك المقال , قم بالان بالاشتراك في النشرة البريدية للتوصل بالمزيد

    التعليقات

    عن الناشر

    مقالات حالية

    تقنية

    The first car manufactured throughout history