فرق توقيت

فرق توقيت

فرق توقت

لم يكن الأمر بدافع أهمية تفاصيلها و لا بسبب الاحتفاظ بجمال دقائقها فمذكراتي لا تنطوي على أية جمالية في أحداثها و لا أهمية في تفاصيلها فهي حتى لن تجعل أمي تغير طبق اليوم على الغداء .

بعد عشر محاولات فاشلة تقف سلة المهملات في زاوية الغرفة تعدهم علي  و شاهدة على عدم مقدرتي على صياغة جملة واحدة و كأنني خيال إنسانة فارغة من كل شيء لا تملك أحداثا تدونها في مذكراتها و لا أهدافاً أو مشاعر تنسجها في خواطر و لا تحلم بمستقبل قريب أو بعيد و لعله يتوجب على أخذ الإذن فيما إذا كانت هذه الأحلام توافق العائلة أم لا .

أخذت أقلب في الصفحات التي كتبتها على مدار السنيين  الماضية منذ لحظة حصولي على الشهادة الثانوية حتى الشهر المنصرم .

في البداية صدمت من تلك الشابة المرحة أحلام من كانت هذه المكتوبة ؟

هل هذه الأفكار أنا من دونتها ؟

تذكرت شيئاً فشيئاً أنني كنت أحب الرسم و أرغب في تعلمه بشكل احترافي أين ذهبت تلك الروح المرحة ؟

و من هذه النفس المسنة التي تقرأ الأن ؟ في ذلك التوقيت كنت سعيدة ! نعم مر علي يوم كنت فيه سعيدة!

أما الأن روح عجوز بجسد عشرينية و لا أعتقد أن الجسد شاب جداً لقد بدأت أشعر ببعض الألام في مفاصلي و لعله الأكتئاب يظهر بشكل علني .

لو حاولت استرجاع الحلقة الأولى لهذا الخراب النفسي الذي أعيشه أعتقد أن الأمر بدء مع حصولي على الشهادة الثانوية بمجموع عال حل علي بمثابة اللعنة

اتخذ أهلي قرار بدخولي كلية تتوافق و رغباتهم هم و كأنني جهاز dvd سيشاهدون عليه ما يرغبون به هم لا ما أتمناه أنا و عندما عارضت بشدة شارحت المجال الفني الذي أود التخصص فيه 

اتبعوا سياسة امتصاص غضبي ادخلي هذه الكلية المهمة أمام المجتمع و العائلة و لكي لا نصبح مسار شماتة فهذه الكلية مستقبلها عظيم و أثناء دراستك اتبعي المجال الذي تحبينه و حاولي الدخول اليه 

و كانت تلك الجملة بمثابة القول لطفل صغير اذهب للنوم و سوف يحضر لك بابا نويل ما تريد .

بلعت الطعم الأول أما الطعم الثاني دسوه لي ممزوج بتفاصيل الحياة اليومية فكان على شاكلة عليك الدراسة بجد لا تضيعي وقتك, الجميع ينتظر نتائجك يتوجب عليك التفوق .

و سردوا لي أسماء لا تنتهي و كأننا في سباق و كأنني جئت إلى هذا العالم لأتسابق مع البشر و ليس للعيش بسعادة فكان ابتعادي عن الفن الذي احبه نتيجة حتمية لابتلاعي الطعم الثاني .

قلبت أكثر في تلك الصفحات لأجد أنني فيما مضى كنت أنظم رحلات و أكتب عن اماكن مسلية للنزهات 

أعتقد الأن سعادتي بحصولي على و سيلة مواصلات دون الانتظار لساعات أكثر بكثير من سعادتي بالنزهة نفسها .

كل هذه السنين لم يكن أحد يشعر بالسعادة عدا أهلي غرقت في دوامة اختصاص لم اختاره تنازلت عن حياتي و سعادتي شيئاً فشيئاً , تسابقت مع الجارة و ابن خالتي و زوجة البقال كما رغبت أمي و تمكنت من التفوق على عماتي أيضا فهم كانوا من أوائل الأسماء الموضوعة ضمن قائمة السباق . و لكن أين أنا و أين ما أريده من كل ذلك ؟ 

ثم مر أمامي تدوين لنزهة مع صديقتي المفضلة نغم لوهلة ظننتها شخصية خيالية من نغم !؟ 

تذكرت لقد كانت صديقتي المفضلة لسنين طويلة اضطرت للهجرة بضغط كبير من والدها ليجبرها على دراسة اختصاصه الطبي مكملة بذلك مسيرته المهنية من بعده رغبة منه بخلود اسمه بالرغم من أنها لم ترغب بذلك الاختصاص يوما و لا أظنه تساءل يوم عن ما كانت ترغب به.

أتذكر جيدا ذلك الكرسي الخشبي الذي كان في غرفتها عندما تصعد عليه ممسكة بمزهرية فارغة متخيلة نفسها تتسلم جائزة الأوسكار لقد كنت شاهدة على و لعها بالتمثيل و الأحلام التي رسمتها .

سأحاول أيجاد اسمها على مواقع التواصل الاجتماعي لعلي أعرف أخبارها و نعزي بعضنا .

مرت ثلاث أيام على هذا الحديث لم أتمكن من البحث عنها و لا أملك قوة للحديث و أنا في ظل هذا الخراب النفسي الناتج عن تسابق اجتماعي سخيف ليذاع اليوم على مواقع التواصل الاجتماعي خبر العثور على فتاة منتحرة داخل شقتها في إحدى بلاد المهجر تاركتاً خلفها رسالة بالتأكيد كانت تقصد بها و الدها دونت فيها 

(هذا الكوكب لم يعد يحتمل أخرجوني من قوانينكم الاجتماعية السخيفة )

انتحرت نغم في البدء رأيت بها نهايتي بالأسلوب نفسه مرددة العبارة ذاتها هذا الكوكب لم يعد يحتمل و هذا السباق الاجاتماعي مريع .

انتحار نغم كان تصوير للأحداث القادمة إن لم أوقف هذه المهزلة التي أعيشها, ولكن أيقافها يتطلب حرب اجتماعية كبيرة هل أملك القوة لذلك ؟ فرق توقت

أعترف أن الحصول على ما أريد في ظل كل هذا يتطلب جهدا كبيرا , و هو يستحق الوقوف بوجه الجميع لأجله 

و لكنني لا أجد الجواب على سؤال هل املك القوة الكافية أم أن ما حدث خلال هذه السنين خارت به قواي ؟ 

فجميعنا على قيد الحياة و لكن قليلون من هم على قيد السعادة. 

 

 

أعجبك المقال , قم بالان بالاشتراك في النشرة البريدية للتوصل بالمزيد

    التعليقات

    عن الناشر

    مقالات حالية

    تقنية

    The first car manufactured throughout history