قرشان بشريان ينقذان عشرون شخصا وطفل

قرشان بشريان ينقذان عشرون شخصا وطفل

يسرى تعلمت السباحة وبدون مبالغة وهي في بطن أمها .لأنها في سن السابعة باشرت الاشتراك في بطولات الجمهورية في سورية ..إلا أنها على الرغم بإنها خبيرة بغدر المياه لكنها لم تتخيل يوما بإن هذه المياه سوف تلفظها خارج حدود وطنها الأم سورية، لتوشي بها إلى غدر الغربة . قرارها في الرحيل كان قسريا لأن حلمها في ممارسة السباحة وخوض البطولات كان هو الحياة . فالعيش وعدم الموت لا يعني الحياة بالنسبة لشخص طموح توقف حلمه داخل حدود وطن جريح.  وكان خط رحلتها ككل السوريين الفارين من جحيم الحرب ..فلابد من تجتاز خط الموت المائي الواصل بين تركيا واليونان.وهنا جوهر القصة :

من المفروض أن يكون على متن القارب سبع أشخاص فقط علما بإنه قارب مطاطي يطير من نسمة ريح يطلق عليه (البلم).إلا أن جشع المهربين وطمعهم بالمال .واستهتارهم بالأرواح البشرية .كانوا يحملون قوارب المهاجرين بأكثر مما تحتمل،كهذا القارب التي كانت على متنه يسرى وأختها سارة .لقد كانوا عشرون شخصاً وطفل .فبعد حوالي عشرين دقيقة من انطلاق القارب المطاطي (البلم) توقف المحرك عن العمل ،وتحجرت الدموع في المآقي وتسمر المركب في وسط البحر ،تتلاعب به الأمواج يمنةً ويسارا. إلا أن نظرات هذا الطفل الموجود بالذات هو ما جعل يسرى تعتقد بأن عجلة الكون هي التي توقفت.ومع تمايل القارب صارت عينا يسرى عينُ على الطفل وعين على الجزيرة المقابلة لهم .كم تمنت أن تتحرك هذه الجزيرة القابعة هناك وتبحر صوبهم..كم تمنت أن تضع هذا الطفل في حضنها وتكون له طوق نجاة من الرعب الذي يلفه حتى كاد يشلّه.ولكن مانفع التمني في أمر يحتاج إلى معجزة .مع العلم بأن قوارب كثيرة كانت تمر بالقرب منهم وتعبر وكأن شيئاً لم يكن . وهذا ما جعل يسرى تغرق بأفكارها قبل أن يغرق القارب بمن عليه.كانت يسرى تحتاج لعمرين كي تتعلم ما تعلمته عن الحياة في لحظة واحدة.فالإنسانية فلسفة لا يمكن الخوض في غمارها بأوقات الراحة .لإن معدن الإنسان لا يجلو إلا في الضيقات وبوقت الشدائد. لكن هذا الدرس المؤلم لم يثن من عزيمتها لتكون هي الإنسان ...ولم يجد اليأس والإحباط بقدر خرم إبرة ،ليحبط مساعيها ويفشل قرارها في إنقاذ هذه الأرواح التي كادت أن تزهق.لقد كان القارب المطاطي(البلم)يغير مساره بين اللحظة والأخرى.قارب صغير وسط بحر هائج...رياح شديدة...وعدد أشخاص يتجاوز قدرة القارب عن الحمل والاحتمال...نظرات ميتة في كل المقل ...وطفل يصرخ باكيا...كل هذا جعل يسرى تقفز إلى المياه وتحوم حول القارب علها تجد خيط نجاة .فأعطتها نعمة ربها حبل نجاة .حبلا كان ملفوفا حول القارب .ولكن ماذا ستفعل بحبل رفيع .وبجسمها النحيل الذي لا يتجاوز الخميسن كيلو غراما ؟ هل لك ان تتخيل وزن عشرون شخصا وطفل ؟

إلا ان الدعم الذي تلقته من أختها وتشجيعها على ما قرأته في عينيها كان يزن آلاف الأطنان . وقفزت هي الأخرى لتساندها في تنفيذ قرارها . نعم ستسحبان القارب بمن عليه إلى الجزيرة المقابلة .أحاطت الفتاتان القارب كل من جهة ،وأمسكت كل منهما الحبل بيد وسبحتا بيد واحدة وقدمين .كل محركات العالم الآلية لم تكن لديها الطاقة التي امتلكتاها يسرى وسارة،علما بإن سارة لا يزيد وزنها عن وزن أختها.فهل يا ترى تخف الأعباء عند من يستمدون أفكارهم من السماء؟ ربما يسرى وسارة قد فكرتا للحظة ان تنجوا بنفسيهما ويمت من يمت وينجو من ينجو.ولكن خيارات الإنسان غالبا ما تكوّن هويته،وهما اختارتا هوية المجد والخلود 

عشرون شخصاً وطفل كانوا قيد موت مجهول وقاسِ.يسرى وأختها انتشلتهم من فم البحر الجائع . رحلة الموت هذه واحدة من آلاف الرحلات التي راح ضحيتها الآلاف من النّاس التي امتطت القوارب المطاطية .ولكن لم يكن على متن أحدها يسرى وسارة .                                               تمت

                                  منال العسس 20/6/2021

أعجبك المقال , قم بالان بالاشتراك في النشرة البريدية للتوصل بالمزيد

    التعليقات

    عن الناشر

    مقالات حالية

    تقنية

    The first car manufactured throughout history